إثبات إستلام الورثة لفصولهم
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء
تحرير فصول المتقاسمين في القسمة من أهم اجراءات القسمة الرضائية او القضائية ، لان المقاسم بعد إستلامه لفصله يستطيع المطالبة بتمييز وتحديد الأموال التي صارت له بموجب فصله، ويستطيع الانتفاع والتصرف في الأموال التي صارت من نصيبه ، فتحرير الفصول من دون تسليمها للورثة لا يعني تمام القسمة ، فتمام القسمة هو تسليم الفصول وتمييز وتحديد نصيب كل مقاسم او وارث ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩/٦/٢٠١٢م، في الطعن رقم (٤٥١٢٤) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه (فالثابت صحة الدفع بسبق القسمة لثبوت استلام الورثة المقاسمين لفصولهم) ، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي، لثبوت استلام الورثة لفصولهم، وعند الطعن بالنقض في الحكم الإستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الإستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا ، (فقد وجدت الدائرة أن ما أثاره الطاعن عبارة عن مسائل موضوعية قد ناقشتها محكمة الموضوع وتوصلت من خلال ذلك إلى نتيجة مطابقة للشرع والقانون ، ولذلك لم تتوفر في الطعن أية حالة من حاﻻت الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات ، مما يستوجب رفض الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية :
الوجه الاول :ماهية فصول القسمة:
الفصل هو وثيقة يعدها القسام تتضمن البيانات الاجمالية عن الاموال التي صارت من نصيب الوارث المقاسم من تركة مورثه ، ويسمى الفصل فصلاً لأنه يفصل نصيب كل وارث مقاسم عن الأنصبة الأخرى، ويبين الفصل الأموال التي صارت من نصيب الوارث بصفة إجمالية من حيث نوعها وتسمياتها ومساحاتها وأماكن وجودها وحدودها.
وفي بعض مناطق اليمن يسمى الفصل فرزا لانه حاصل أو نتيجة فرز اموال التركة بين الورثة ، ويسمى الفصل أيضا في بعض مناطق اليمن تخروج ،لأنه يخرج نصيب كل وارث من التركة على حدة.
الوجه الثاني: كيفية تحرير فصول القسمة:
يقوم القسام بتحرير فصول القسمة بحسب عدد الورثة المتقاسمين ، ويتم نقل البيانات الواردة في الفصل من وثيقة التركيز أو الامية وفي ضوء نتائج التراضي أو القرعة التي تبين نصيب كل وارث على حدة من اموال التركة ، ويتم التوقيع على وثائق الفصول من قبل القسام ، ويفضل ان يتم التوقيع عليها من قبل بقية الورثة حتى يكون ذلك بمثابة إقرار ومصادقة من بقية الورثة بالاموال التي صارت من نصيب صاحب الفصل.
الوجه الثالث: الوقت الذي يجب فيه تحرير الفصول:
يتولى القسام تحرير الفصول أو الفروز أو التخاريج وذلك بعد الإنتهاء من توقيع المتقاسمين على التركيز وبعد إتفاق الورثة على إجراءات التخارج وفرز الأنصبة وتعيينها في أموال التركة أو إجراء القرعة، فعندئذٍ يتم تحرير فصول القسمة بحسب عدد الورثة المتقاسمين حيث يتضمن كل فصل أو فرز الأموال التي تعينت للمقاسم بموجب القسمة والتركيز والتراضي، وبعد إجراء التخارج الذي يتضمن في معناه ازالة حالة الشيوع في أموال التركة المقسومة
الوجه الرابع : وقت تسليم الفصول الى الورثة المتقاسمين:
بعد إستكمال تحرير الفصول والتوقيع عليها يجب على القسام تسليم كل فصل الى صاحبه حتى تترتب الاثار القانونية على عملية تسليم الفصول وحتى يتمكن كل وارث من معرفة نصيبه والاموال التي صارت من نصيبه والمطالبة بتمييزها حتى يتمكن من إستلام تلك الأموال والانتفاع بها والتصرف فيها تصرف المالك، فعدم تسليم المقاسم الوارث فصله يجعل اجراءات القسمة معلقة .
الوجه الخامس: وسائل إثبات إستلام المتقاسمين لفصولهم:
الطريقة المعاصرة المعتادة في اليمن لإستلام الفصول هي قيام القسام أو المحكمة بتحرير محضر يتم فيه إثبات إستلام كل متقاسم لفصله ، ويتم التوقيع على المحضر من قبل الورثة المتقاسمين والقسام وشهود القسمة ، وعندما تكون القسمة جبرية يتم التوقيع على المحضر من قبل المتقاسمين والقاضي وامين السر ، وهذه هي افضل طريقة في الوقت الحاضر لإثبات إستلام الورثة لفصولهم.
وفي بعض الحالات يتم إثبات إستلام الورثة لفصولهم عن طريق قيام الوارث المتقاسم بتحرير استلام فصله ، وذلك على ظهر صورة فوتغرافية لاصل الفصل، ويتم التوقيع على هذا الاستلام من قبل المتقاسم المستلم ، واذا لم يكن المتقاسم يحسن القراءة والكتابة فيقوم كاتب الفصل بتحرير الاستلام وتضمين الاستلام أنه تم املاء الفصل على الوارث وتم إفهامه بمافي الفصل ويقوم صاحب الفصل المستلم بوضع بصمة إبهامه اليسرى على الإستلام ، وفي حالة المتقاسم الأمي يحبذ الإشهاد على واقعة الاستلام وذلك بشاهدين عدلين .
كما يمكن ان يتم كتابة الاستلام في وثيقة مستقلة وليس بظهر الفصل شريطة ان يتضمن الإستلام اهم البيانات عن الفصل الذي تم إستلامه، مثل فصل فلان المحرر بقلم فلان أو بنظر فلان بتاريخ كذا، وقد كانت هذه الطريقة هي المتبعة عند القسامين المتقدمين في اليمن.
وفي الحالتين فان القسام هو الذي يحتفظ بوثيقة إستلام الورثة لفصولهم،واذا كانت القسمة جبرية فان المحكمة هي التي تحتفظ بالإستلام.
وبالاضافة الى ما تقدم فانه يمكن إثبات إستلام الورثة المتقاسمين لفصولهم عن طريق اقرار المتقاسمين بالإستلام مثلما وقع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا ، ويمكن ايضا إثبات الإستلام عن طريق الشهادة. .)التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الاول ،ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٢،ص٨٧).
الوجه السادس: دلالة إستلام الورثة المتقاسمين لفصولهم:
لإستلام المقاسم لفصله عدة دلالات من اهمها ماياتي:
إعلان المقاسم بنتيجة القسمة ونصيبه منها.
قبول المقاسم بما ورد في فصله إذا استلم الفصل ولم يعترض أو يتحفظ.
حق المقاسم في المطالبة بتمييز الاموال المذكورة في فصله وإستلامها وحيازته لها .
حق المقاسم في الانتفاع بالاموال التي صارت من نصيبه المذكورة في فصله وحق المقاسم في التصرف فيها.
الوجه السابع: تمييز الفصول وتطبيقها في الواقع (التسليم الفعلي للاموال المذكورة في الفصل):
التمييز هو: فرز وتعيين وتمييز نصيب كل وارث من أموال التركة على حدة بحسب ماورد في فصله، ويتم التمييز عن طريق تطبيق الفصول في الواقع العملي، ويتضمن التمييز معنى تسليم كل وارث لنصيبه من أموال التركة بحسبما هو محدد في فصله ، ولذلك فإن القسام عند التمييز يضع العلامات التي تميز حدود نصيب كل وارث عن غيره بالنسبة للاراضي الزراعية واراضي البناء، بحيث يمتنع اختلاط نصيب الوارث بالأنصبة الأخرى، ويتم التمييز بموجب محاضر يتم فيها إثبات عملية الإنتقال لتمييز الفصول وحضور الورثة المتقاسمين وتسليم كل وارث نصيبه، فيقوم المتقاسمون بالتوقيع على محاضر التمييز للتدليل على تمام عملية التمييز واستلام كل مقاسم وقبضه لنصيبه بحسب ماهو محدد في فصله.
ولتمييز الفصول أهمية بالغة، إذ أنها تدل على تمام القسمة وتنفيذها في الواقع والحقيقة، وان القسمة لم تكن مجرد إتفاقات لم يتم العمل بموجبها، إضافة إلى أن تمييز الفصول يتحقق به القبض الشرعي من قبل الورثة المتقاسمين كلٍ لنصيبه، فعندئذٍ تكون القسمة قد تمت وصارت لازمة، فلا يحق لأي من الورثة المتقاسمين التراجع أو العدول عنها.
وتمييز الفصول هو آخر إجراء من اجراءات القسمة ، فمن تاريخ تمييز الفصل يتم احتساب مدة تقادم دعوى نقض القسمة بإعتبار التمييز عبارة عن القبض الصحيح للوارث لنصيبه من أموال التركة المقسومة، فلاتكتمل اجراءات القسمة بمجرد تسليم الوارث فصله وانما يجب التسليم الفعلي لنصيب المقاسم الوارث عن طريق تمييز الفصول، لان التمييز هو التسليم الفعلي لنصيب الوارث.
ولأهمية عملية تمييز أنصبة الورثة المتقاسمين سواء في التركيز أو في الفصول أو تمييزها على أرض الواقع، فقد نصت المادة (1216) مدني على أنه: (على القاضي أن يندب عدلين (خبيرين) أو أكثر لإفراز الأنصبة ، وتكون تكاليف القسمة على قدر الحصص لا على الرؤوس)، كما نصت المادة (1217) مدني على أنه يجب على القسام (إفراز كل نصيب بطريقه ومجرى مائه وما إلى ذلك).
وقد سبق القول بأن تمييز ما ورد في الفصول وتطبيقها في الواقع يتضمن معنى تسليم الأنصبة إلى الورثة المتقاسمين كل نصيب على حدة، وذكرنا أيضاً أن عملية التمييز والتطبيق للفصول تستلزم تحرير محاضر تسليم الانصبة لإثبات حضور المتقاسمين سيما الذين يتم تسليمهم أنصبتهم.
ويتم تسليم الورثة المتقاسمين أنصبتهم من المنقولات حقيقة وإثبات ذلك في محاضر التسليم، اما بالنسبة لتسليم الأنصبة من العقارات فيتم ذلك عن طريق التخلية حسبما ورد في المادة (1212) مدني.
وتترتب على التسليم أو التمييز آثار عدة من أهمها: القبول بالقسمة والتأكيد على صحة إجراءاتها وسلامتها، وبموجب ذلك يتملك كل مقاسم نصيبه الذي تسلمه عملاً بالمادة (1207) مدني التي نصت على أنه (إذا تمت القسمة نهائياً في الملك فإن كل مقاسم يعتبر مالكاً للحصة المعينة التي آلت إليه بالقسمة منذ نشوء الملك).
وبعد تطبيق الفصول وتمييز الأنصبة عن بعضها وتسليم كل وارث نصيبه فإن ذلك شاهد على تمام إجراءات القسمة وسلامتها وصحتها وأنه يجب على جميع الورثة المتقاسمين الإلتزام بها وعدم مخالفتها أو نقضها.
الوجه الرابع: حجية فصول القسمة:
فصول القسمة او فروز القسمة: هي عبارة عن وثائق تشتمل على بيانات وأوصاف الأموال التي صارت من نصيب كل وارث بعد تمام القسمة بين الورثة حيث يتم تسليم كل وارث الفصل الذي يتضمن الأموال التي صارت من نصيبه بموجب إجراءات القسمة، فيتصادق الورثة على صحة البيانات الواردة في التركيز وفصول القسمة، ويقوم الورثة المتقاسمون او من يمثلهم بالتوقيع والمصادقة على كافة وثائق القسمة بما يفيد صحة وسلامة بيانات وأوصاف الأموال المقسومة المذكورة فيها.
وبما أن فصول القسمة هي نتاج إجراءات القسمة الرضائية او الإختيارية ، وبناءً على ذلك فإن حجية فصول القسمة قاصرة على الورثة المتقاسمين المتصادقين والموافقين عليها، فلا تكون تلك الفصول حجة في مواجهة غير المتقاسمين، فاذا تضمنت فصول المتقاسمين اموالا للغير فلاتكون حجية على الغير .)التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الثاني ،ا.د.عبدالمؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م،ص٢٥٣)، والله أعلم