إعلان علوي

آخر الاخبار

إستعانة المحكمة بمحاسب غير مرخص


 إستعانة المحكمة بمحاسب غير مرخص

 ا.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

 

 من العيوب القادحة  في النظام القضائي في اليمن عدم تنظيم الخبرة والخبراء، ففي دول العالم المختلفة توجد قوانين خاصة بالخبرة والخبراء إضافة  إلى ادلة إجرائية وإرشادية، في حين اكتفى قانون الاثبات اليمني  بتنظيم الخبرة والخبراء في بضع نصوص عامة مجملة اقتصرت على تنظيم بعض المسائل، علما بان هناك مشروع قانون للخبرة منظور امام البرلمان اليمني منذ مدة طويلة ولم ير المور بعد.

 ومن الامور الحسنة في هذا الشان إستحداث إدارة عامة للخبرة والخبراء والتحكيم ضمن مش


روع اللائحة التنظيمية لوزارة العدل ، وقد ورد ضمن إختصاصات هذه الإدارة تنظيم وترتيب شئون الخبراء والمحكمين ومراكز  الخبرة والتحكيم والتحقق من بياناتهم واعداد جداول الخبراء والمحكمين المعتمدين .

ومن المعلوم ان الخبير العدل  من اهم اعوان  القاضي الذي يستعين به القاضي في كشف وتفسير المسائل الفنية الغامضة بحسب تخصص الخبير، ولان الخبرة مسالة فنية بحتة ، فقد حدد القانون جهات فنية مختصة تتولى الترخيص للخبير بمزاولة المهنة الفنية وإعتباره متخصصا أو خبيرا في المسألة الفنية .

 وعلى هذا الاساس لايجوز للخصم  عند  النزاع أمام القضاء أن  يختار محاسبا أو خبيرا  غير مرخص له بمزاولة المهنة ،وكذلك لايجوز  للقاضي الاستعانة بمحاسب غير مرخص ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 30/4/2014م، في الطعن رقم (54546)، فقد ورد ضمن اسباب هذا الحكم :( فما اورده الطاعنان في غير محله ، ذلك ان ما ذهبت اليه الشعبة وعللت به في حيثيات حكمها المطعون فيه صحيح موافق للقانون الذي يتطلب ان يكون المحاسب المعين. من المحاسبين المرخص لهم،  فان هذا يؤكد صحة ما توصل اليه الحكم المطعون فيه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول : تعريف المحاسب القانوني في القانون اليمني:

 المحاسب القانوني في القانون اليمني هو الشخص الطبيعي المرخص له رسميا من وزير الاقتصاد أو الصناعة والتجارة بمزاولة مهن تدقيق ومراجعة الحسابات وتقديم الخدمات الاستشارية  المحاسبية ويكون مقيدا في سجلات الوزارة.

فقد عرف قانون المحاسبين القانونين اليمني عرف المحاسب القانوني ضمن تعاريف المصطلحات الواردة  في المادة  (2)، التي نصت على  أن : ( المحاسب القانوني: هو الشخص الطبيعي الحاصل على إجازة (محاسب قانوني) وفق أحكام هذا القانون)

 ومعنى ذلك  ان  المحاسب غير الحاصل على الإجازة لايكون محاسبا قانونيا حتى لو كان حاصلا على بكالوريوس محاسبة أو ماجستير أو دكتوراه في المحاسبة.

وقد عرف القانون ذاته الاجازة لمزاولة مهنة المحاسبة القانونية في المادة (2) التي نصت على أن: (الإجازة: هي شهادة محاسب قانوني التي يحصل عليها الشخص الطبيعي وفق أحكام هذا القانون ).

 وقد اشترطت المادة(5) من  قانون المحاسبين لمنح المحاسب القانوني الإجازة المشار إليها اشترطت شروطاً عدة ، إذ  نصت هذه المادة على أنه ( يشترط لمنح إجازة محاسب قانوني أن تتوفر في المتقدم الشروط التالية:-

      1-أن يكون شخصا طبيعيا متمتعا بالجنسية اليمنية.

      2-أن لا يقل عمره عن ست وعشرين سنة ميلادية.

      3-أن يكون حاصلا على مؤهل جامعي تخصص محاسبة لا يقل مستواه عن درجة البكالوريوس.

      4-أن يكون لديه خبرة عملية لاحقة للمؤهل في مجال المراجعة وتدقيق الحسابات أو التدريس لدى إحدى الكليات أو الجامعات أو المعاهد العليا في مجال المحاسبة والمراجعة وعلى النحو التالي:-

      أ.أربع سنوات لاحقة لمؤهل البكالوريوس .

      ب.سنتان لاحقتان لمؤهل الماجستير.

      ج.سنة واحدة لاحقة لمؤهل الدكتوراه.

      5-أن يجتاز الامتحان المقرر لذلك ، ويستثنى من هذا الشرط حملة مؤهل الدكتوراه تخصص محاسبة.

      6-أن يكون متمتعا بالأهلية المدنية وأن لا يكون قد سبق أن حكم عليه بجريمة جنائية مخلة بالشرف أو الأمانة ما لم يكون قد رد إليه اعتباره).

وبعد إستكمال الاجراءات اللازمة يقوم وزير الاقتصاد او وزير  الصناعة والتجارة بإصدار قرار يتضمن إجازة المحاسب القانوني بمزاولة المهنة ، وفي هذا الشان نصت امادة(9) من القانون  المشار اليه على أن : (تصدر الإجازة بقرار من الوزير بناء على توصية من اللجنة وتبين اللائحة شكل الإجازة وبياناتها ومقدار الرسم المقرر للحصول عليها).

 ولايجوز للمحاسب القانوني حتى  لو كان  قد حصل على  إلاجازة المشار إليها لايجوز له فتح مكتب للمحاسبة القانونية الا اذا كان قد سبق له الحصول على رخصة بذلك من قبل وزارة الصناعة والتجارة أو وزارة الاقتصاد ، قد عرفت المادة (2)  هذه الرخصة ،إذ نصت هذه المادة على أن: ( الرخصة: هي الوثيقة الصادره وفقا لأحكام هذا القانون والتي تخول لصاحبها الحق بمزاولة المهنة).

وفي هذا السياق نصت المادة(35) من القانون ذاته على انه: (لا يجوز للمحاسب القانوني الذي لم يحصل على الرخصة أن يفتح مكتبا باسمه الخاص أو أن يباشر عملا من أعمال تدقيق ومراجعة الحسابات).

الوجه الثاني: الحظر القانوني للمحاسب القانوني من مزاولة المهمة قبل الحصول على إجازة أو رخصة بذلك:

يمنع قانون تنظيم مزاولة مهنة  المحاسبين القانونين اليمني يمنع المحاسب من  مزاولة مهنة المحاسبة القانونية الا اذا كان حاصلا على الاجازة المشارة إليها  في الوجه السابق.

  بل أن القانون يجرم هذا الفعل حسبما هو مقرر في المادة (35)من هذا  القانون التي نصت على انه: (لا يجوز للمحاسب القانوني الذي لم يحصل على الرخصة أن يفتح مكتبا باسمه الخاص أو أن يباشر عملا من أعمال تدقيق ومراجعة الحسابات).

 ولان القانون قد منع المحاسب من مزاولة مهنة المحاسبة القانونية من غير ترخيص ، لذلك فقد قرر القانون عقوبات على المحاسب الذي يخالف هذا الحظر ، وفي هذا الشان نصت المادة(72) على  انه: (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة ولا تقل عن ستة أشهر أو بغرامة مالية لا تقل عن(100.000)مائة الف ريال ولا تزيد على(300.000) ثلاثمائة الف ريال كل من :-

1-قام بمزاولة المهنة دون الحصول على ترخيص وفقا لاحكام هذا القانون.

2-عاد بمزاولة المهنة دون الحصول على ترخيص قانوني.

3-الأجنبي الذي زاول المهنة دون حصوله على ترخيص بمزاولة المهنة وفق أحكام هذا القانون.

4-خالف احكام المادة(52) من هذا القانون).

 

 

الوجه الثالث : عدم جواز إستعانة القضاء بالمحاسب غير المرخص له:

في الوجهين السابقين ذكرنا أن القانون قد اشترط الإجازة أو الترخيص لمزاولة تدقيق الحسابات ومراجعتها ، كما ان القانون قد صرح بمنع المحاسب من مزاولة المهنة من غير الحصول على الترخيص أو الاجازة ،  وقرر القانون عقوبات على المحاسب الذي يخالف هذا الحظر على النحو السابق بيانه.

 ولما كانت إستعانة المحكمة بالمحاسب القانوني تستهدف بيان الراي في المسألة الفنية الغامضة المعروضة على المحكمة ومراجعة السجلات المالية للشركة أو الأفراد المعنيين وتقديم تقرير شامل يوضح الإيرادات، النفقات، الأرباح، الخسائر، وحصص الشركاء،  وكشف أي تلاعب أو أخطاء في السجلات المالية وتوثيقها بشكل رسمي، وكذا الرد على استفسارات المحكمة وتقديم اية توضيحات أو بيانات إضافية بناءً على طلب المحكمة. 

فالمحكمة تختار محاسباً قانونياً معتمداً وذا خبرة ليقدم تقريراً فنياً محايداً للمساعدة في فهم الجوانب المالية للقضية التي يدق على القاضي فهمها. 

ولما كانت الخبرة المحاسبية قد نظمها القانون  الخاص بها على النحو السابق بيانه لذلك فانه يجب على القاضي ان يتقيد بالنصوص القانونية التي تمنع المحاسب من مزاولة مهنة المحاسبة القانونية من غير ترخيص ،حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الرابع: طبيعة عمل المحاسب القانوني الخبير الذي تستعين به المحكمة:

المحاسب القانوني المعتمد Certified Public Accountant – CPA هو المحاسب المهني المكلف بأنشطة محاسبية معينة، وهو الذي يحمل خبرة كبيرة في المحاسبة ، ويُعتمد عليه في الشركات والمؤسسات للقيام بأعمال التدقيق المالي وكشف الاحتيال والاختلاس عن طريق مراجعة وتدقيق السجلات المالية والمستندات ذات الصلة ب، مع قيامه بإصدار تقارير رسمية توضح تفاصيل ما توصل إليه بعد تدقيق السجلات، ويمكن تقديم تلك التقارير الى المحاكم لكشف وتفسير المسائل  الفنية الغامضة  المتعلقة بالنزاعات والجرائم المنظورة امام القضاء.

 ويباشر المحاسب القانوني المعين من المحكمة اعماله بحسب  الأعمال التي تحددها له المحكمة في قرارها بتعيينه لاداء المهمة التي تسندها اليه المحكمة، وغالبا ما تكون  هذه الاعمال  هي كشف المسائل الفنية الغامضة أو تفسيرها أو تحديد الدائن من المدين أو تحديد طبيعة العلاقة التي نشات بين الخصوم وقدر الأموال التي قدمها كل خصم وتاريخ ذلك وسبب تقديمها ومقدار حصة كل شريك في الشئ أو الشركة المتنازع بشانها والتحقق من صحة القيود المحاسبية ومدى مطابقتها للمستندات ، وكشف أي تلاعب بالسجلات الخاصة بالمعاملات المالية في الشركة، مع تسجيل الأخطاء في تقارير نظامية معتمدة يقدمها المحاسب القانوني للمحكمة.

ويقوم المحاسب أثناء تعيينه من المحكمة بمراجعة الأعمال المحاسبية بصورة دقيقة، و مراجعة وتدقيق السجلات  وكشوفات الحساب  ومطابقتها مع المستندات والتأكد من صحة البيانات الواردة فيها.

فيقوم المحاسب القانوني بمراجعة وتدقيق السجلات المالية والمحاسبية ، وإعداد التقارير اللازمة  المتضمنة  نتائج المراجعة والتدقيق ، وبيان  اوجه التلاعب أو التجاوز أو الاختلال مع ذكر  الادلة على ذلك ، ويقدم تلك التقاريرالى المحكم  التي كلفته بذلك.

ويجب أن تكون هذه التقارير واضحة ومفهومة للقضاة والمحامين والخصوم ، وإن لم يتمكن هولاء من فهم البيانات والأدلة التي وردت في التقارير فالمحاسب هو المسؤول عن توضيحها وكشف ما تدل عليه.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الخبرة الجزء الثاني ، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، ص269)، والله أعلم.

 

ليست هناك تعليقات

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا